مفاهيم السلامة الدوائية، اليقضة الدوائية و الأثار الجانبية للأدوية

لقد صار الحديث عن الآثار الجانبية للأدوية يأخذ صخبا متزايدا في الآونة الاخيرة، إذ أصبح يشهد هذا الموضوع مبالغة غير مبررة خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي

.

فمن المواطنين من يتعاملون مع الدواء بحذر مبالغ فيه، يجانب الصواب، فتجده يقرأ النشرة الدوائية بتوجس، فإذا وصل فقرة الآثار الجانبية يقول أن هذا الدواء ضار لن أتناوله ثم تجده إما لا يصارح الطبيب بالحقيقة أو يستبدل الطبيب بطبيب آخر و هذا يأثر بالضرر على حالته الصحية من حيث تأخير العلاج و تعدد التشاخيص الطبية مما يزيد وضعه تعقيدا…فلولا لم يكن ذلك الدواء آمن و فعال للحالة التي وصفه له الطبيب لما وجده في الصيدلية

.

هذا الموضوع، مع ما له من انعكاسات سيئة للغاية على ثقة المريض بالدواء، دفع « دوائي.أنفو» لمحاولة توضيح هذا الأمر لقرائه الأعزاء، و ذلك بوضعهم في صورة التتبع الصارم الذي يرافق الأدوية بمجرد تصريح المؤسسات الصحية المعنية بإمكانية استعمالها و ذلك بعد أن نجحت بتفوق في الاختبار الثلاثي للسلامة و الفعالية و الجودة

.

فبمجرد أن يترك الدواء البيئة العلمية الآمنة للتجارب السريرية ويصبح « معروضًا قانونيًا » للاستعمال؛ يصبح من الصعب التأكد من الاستعمال الصحيح للدواء من طرف المريض، رغم الدور الذي يلعبه الطبيب و الصيدلاني من أجل توجيهه في ذلك. لكل هذه الأسباب، يصبح من الضروري مراقبة جميع الأدوية للتأكد من سلامتها في ظل ظروف الاستخدام الفعلية بعد طرحها للاستعمال العمومي؛ و هذا هو الدور المهم لليقظة الدوائية و التي تسعى باستمرار لضمان و تحقيق شروط الاستعمال الآمن للدواء من طرف المريض

.

اليقظة الدوائية هي إذن الشعبة طب-الصيدلانية التي تعنى بسلامة استعمال الدواء في ظروفه العادية أثناء فترة العلاج لدى المرضى، إذ هو علم يقوم بالجمع والكشف والتقييم والرصد للآثار الضارة للأدوية من أجل تحسين مستمر لاستعمالها الآمن في الظروف الحقيقية للعلاج وسط مجتمع له خصوصياته التي تميزه عن باقي المجتمعات (النظام المعيشي، النظام الغذائي، الحالة العمرية للساكنة، الإثنيات،…)

.

 ويتعلق الأمر بتأكيد أو عدم تأكيد العلاقة السببية بين الدواء و أي تأثير من التأثيرات الضارة المعروفة و كذلك الغير مقصودة، بما في ذلك التفاعلات مع الأدوية الأخرى أو تغيير نسبة ظهور أحد الأعراض الجانبية و أيضا فقدان الدواء لنجاعته المعلومة و ذلك بمجرد الشك في علاقتها بالدواء الذي يتناوله المريض لأجل علاجه

.

و يتوجب الوصول للنتائج و الخلاصات النهائية حول العلاقة السببية المذكورة، الأخذ بعين الإعتبار كل الظروف المحيطة باستعمال الدواء كحالة المريض الصحية، و ظروفه الغذائية، و طرقة استعماله للدواء، و احتمال تداخل مفعوله مع ظروف مجهولة إلى غير ذلك من التفاصيل، و ذلك باستعمال تطبيقات معلوماتية و مقارنات مع قاعدة بيانات منظمة الصحة العالمية الخاصة باليقظة الدوائية؛ ثم يقوم بتحليل هذه البيانات صيادلة و أطباء متخصصون في هذا المجال الدقيق قبل الوصول النتيجة النهائية حول العلاقة السببية بين أي أثر جانبية و الدواء، كما هو الحال بالنسبة للمركز المغربي لمحاربة التسمم و اليقظة الدوائية، الذي يعتبر مركزا مرجعيا لمنظمة الصحة العالمية في هذا المجال

.

و حتى يتضح الأمر أكثر، ما هي الأعراض الجانبية أو الثانوية للدواء؟ هي الأعراض التي تحدث بالإضافة للتأثير الرئيسي الذي طور لأجله، و هي ليست بالضرورة ضارة، إذ تنقسم عادة لنوعين، مرغوب فيها، و غير مرغوب و هذا النوع الثاني هو نوع التأثيرات الضارة التي ينتبه لها من طرف مؤسسات اليقظة و السلامة الدوائية

.

الأسبرين على سبيل المثال، هو مضاد إلتهاب، لكن له أيضا تأثير على سيولة الدم و هو مفعول غير مرغوب فيه لدى المرضى الذين لديهم خطر نزيف كمن يعاني من قرحة المعدة مثلا؛ بينما لا يأثر هذا المفعول على مريض صحة جهازه الهضمي جيدة، و في المقابل يكون هذا التأثير مرغوب من طرف الطبيب لدى مرضى القلب و الشرايين و للوقاية من تخثر الدم

.

بينما التأثيرات الغير المرغوب فيها و الضارة فهي مثلا كالإسهال بالنسبة المضادات الحيوية و هنا ضرره نسبي يختلف من شخص لآخر حسب الحالة الصحية الأمعاء. تأثير مضادات الالتهاب على المعدة و هنا أيضا يختلف الضرر من شخص لآخر حسب الحالة الصحية لمعدة المريض و لائحة الأمثلة في هذا الموضوع عديدة و تختلف باختلاف الصنف العلاحي للدواء

.

كذلك هذه التأثيرات بنسبيتها كما سبق القول، يمكن أن تحدث كما يمكن أن لا تحدث، إذ يختلف الأمر من شخص لآخر و هو سبب تحديد نسب الظهور و ترددها لدى المرضى في النشرة الدوائية. و في حالة ظهورها لا يتطلب الأمر من المريض أكثر من إعلام الطبيب أو الصيدلي بذلك حتى يتلقى الإرشادات اللازمة لاستعمال صحيح لدوائه دون أن يتوقف عن علاجه

.

على ضوء ما سبق، يجب على المريض الانتباه أكثر في النشرة الدوائية لموانع و احتياطات الاستعمال، قبل أن يتناول دوائه، مع ضرورة استشارة مهنيي الصحة إن شك بأنه معني بأحد تلك الحالات

.

و عليه، يعلم من كل ما سبق، أن أي دواء لا يستعمل إلا بعد أن تتبث سلامته و جودته و فعالية، و أي ربط بين استعماله و أي أثر جانبي، يلزمه دراسة عميقة وفق قواعد اليقظة الدوائية

.

و يبقى الدور الوحيد المنوط بالمواطن في هذا الباب، هو أن يقوم بالتبليغ عن أي أثر جانبي للطبيب أو الصيدلي قصد توجيهه، و كذلك من أجل قيام بتتبع الأمر مع الجهات الصحية المختصة. و يحدث كل هذا طبعا، دون أن يتوقف المريض عن تناول علاجه، قبل استشارة طبيبه الذي هو المخول الوحيد باتخاذ هذا القرار حسب المعطيات المتاحة

.

مقال ذا صلة : حقيقة الآثار الدوائية الغير المرغوب يها

.

حفظ الله الجميع

دوائي.أنفو … جميعا من اجل استعمال آمن للدواء